ابن بطوطة

354

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

أبني مسجد نبينا صلى الله عليه وسلم تسليما فأعنّي فيه . فبعث إليه الفعلة وثمانين ألف مثقال من الذهب « 49 » ، وأمر الوليد بإدخال حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تسليما ، فاشترى عمر من الدور ما زاده في ثلاث جهات من المسجد ، فلما صار إلى القبلة امتنع عبيد الله بن عبد الله ابن عمر من بيع دار حفصة ، وطال بينهما الكلام حتى ابتاعها عمر على أن لهم ما بقي منها ، وعلى أن يخرجوا من باقيها طريقا إلى المسجد وهي الخوخة التي في المسجد . وجعل عمر للمسجد أربع صوامع في أربعة أركانه : إحداهما مطلّة على دار مروان فلما حج سليمان بن عبد الملك نزل بها فأطل عليه المؤذن حين الآذان فأمر بهدمها « 50 » . وجعل عمر للمسجد محرابا ويقال : هو أوّل من أحدث المحراب ، ثم زاد فيه المهدي « 51 » ابن أبي جعفر المنصور ، وكان أبوه هم بذلك ولم يقض له ، وكتب اليه الحسن بن زيد « 52 » يرغّبه في الزيادة فيه من جهة الشرق ، ويقول : إنه إن زيد في شرقية توسطت الروضة الكريمة المسجد الكريم ، فاتّهمه أبو جعفر بأنه أراد هدم دار عثمان رضي الله عنه ، فكتب إليه : إني قد عرفت الذي أردت فاكفف عن دار الشيخ عثمان . وأمر أبو جعفر أن يظلّل الصّحن أيام القيظ بستور تنشر على حبال ممدودة على خشب تكون في الصحن لتكنّ المصلين من الحر « 53 » . وكان طول المسجد في بناء الوليد مائتي ذراع ، فبلّغه المهدي إلى ثلاثمائة ذراع وسوّى المقصورة بالأرض وكانت مرتفعة عنها بمقدار ذراعين ، وكتب اسمه على مواضع من المسجد . ثم أمر الملك المنصور قلاوون ببناء دار للوضوء عند باب السلام فتولى بناءها الأمير الصالح علاء الدين المعروف بالأقمر ، وأقامها متسعة الفناء تستدير بها البيوت ، وأجرى إليها

--> ( 49 ) يلاحظ اهتمام ابن بطوطة بالتاريخ الدولي الاسلامي منذ التاريخ المبكّر . . . وفي موضوع طلب خبرة البيزنطيين في بناء مسجد الرسول راجع الذهب المسبوك لتقي الدين المقريزي ، تحقيق جمال الدين الشيال - القاهرة 1955 ، ص 30 ، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر . د . التازي : التعليق السابق . ( 50 ) سليمان أخ للوليد وخلفه وفي عهده فتحت جرجان وطبرستان ، أدركه أجله عام 99 - 717 . ( 51 ) المهديّ بالله الخليفة العباسي ، هو محمد بن عبد الله المنصور ، أدركه أجله على دابته في الصيد ، وكان يجلس للمظالم ، أول من لعب بالصوالجة في الإسلام دفن بجامع الرصافة عام 169 - 785 وقد انمحى أثر تربته بعد ذلك . ( 52 ) الحسن بن زيد بن علي ، كان حاكما على المدينة من بضع سنوات . . . ويلاحظ من خلال هذا درجة الاحتكاك بين أنصار علي وبين أنصار عثمان الذي انتخب خليفة عوض الإمام عليّ كما هو معلوم ، أدركه أجله عام 168 - 784 . ( 53 ) حول تكييف صحون المساجد يراجع تاريخي لجامع القرويين ج 1 ص 74 .